القوس والفراشة .... رواية لــ محمد الأشعري
ي محاولة، بالدرجة الأولى، للبحث عن أسئلة للحظة التاريخية الراهنة على مستويات عديدة، مبرزاً، في الوقت ذاته، غنى هذا العمل الإبداعي من حيث الموضوعات وطرحه لقضايا هادفة وتقديمه بلاغة قاسية في قراءاته للحظة التاريخية المغربية الراهنة.
كان ما انتابني يشبه إلي حد بعيد فقدان الصوت حيث لم أعد أوصل أي شيء للأخرين لا فكرة ولا تعليقا ولا مزحة ولا تعبيرا من أي نوع. كنت أجيب أحيانا علي الأسئلة التي تلقي علي وأنا أفكر بما كان سيجيب به شخص أخر لو طرحت عليه هذه الأسئلة وكنت عاجزا تماما عن إبلاغ شيء له علاقة بالإحساس لأنني ببساطة لم أعد أحس بأي شيء ثم انتقل هذا الأمر تدريجيا كما يخفت الضوء إلي أن تطبق العتمة من مجال المشاعر والعواطف إلي مجال المادة. هكذا وبينما كنت أتوجه نحو مكتبي متعرفا علي ملامح الناس وحكاياتهم من روائحهم فقط أحسست فجأة أن جدارا قد ارتفع بيني وبين العالم وعندما دققت في الأمر أدركت أنني فقدت بشكل كامل حاسة الشم.
لم يكن ذلك نتيجة لخلل صحي أو لتضاؤل تدريجي بل كان شيئا صاعقا ودونما إرهاصات مباشرة أو غير مباشرة. كنت أمر قرب حديقة التجارب فلاحظت أن جهاز التقاط الناس لم يتحرك لدي إطلاقا منذ ابتعدت عن ساحة بورغون ثم تبين لي أن جسما ثقيلاً وباردا قد حشر نفسه بيني وبين العالم لذلك قضيت ما تبقي من اليوم أعدد التمارين التي تثبت لي أن الأمر لم يكن سوي توهم عابر فشربت كل ما تمنحه مقاهي وحانات الرباط من مشروبات ساخنة وباردة والتهمت عشرات الأطعمة وسكبت علي نفسي كل قوارير العطر التي وقعت تحت يدي واقتربت من كل الكائنات التي صادفتها في طريقي لعلي أعثر خلفها علي بقايا عبير أو رائحة طائشة وقضيت ساعات طويلة في ((الباخرة)) حانتي المفضلة وعندما خرجت منها منهكا ثقيل الصدر أسوق ما تبقي من الليل إلي البيت الذي أسكن عنفه السري منذ ربع قرن توقفت عند سور الجسر الذي يعلو سكة الحديد واطلت التأمل في اللمعان المعدني الذي ينبعث منها دون أن تنتظر مرور قطار أخر قبل أن أفرغ ما في جوفي دفعة واحدة وكأني في نفس الوقت أتقيأ الرجل الذي كنته حتي اليوم. ولم يكن في كل هذه الكمياء المعقدة أي رائحة. منذ هذا اليوم انقطعت عن سماع الموسيقي ومشاهدة الأفلام وارتياد المعارض والمتاحف إلا لماماً وكان يحصل لي أن أحضر في إطار مهني حفل استقبال فكنت أقضي وقتا طويلا في الاستماع إلي ثرثرة الناس محاولا أن أتذكر طعم النبيذ الذي كنت شغوفا به في بداية شبابي ولكني لم أطن أعثر عليه إلا في ذاكرتي معزولا عن السوائل التي أشربها والتي لا أفرق بينها إلا باللون أو بدرجة الحرارة.
في هذه الفترة من حياتي وقد بلغت الخمسين لا أعرف كيف حصلت لي قناعة مفاجئة أن امرأة قد ضاعت مني. بذلت جهودا مضنية لا تذكرها فلم أنجح في ذلك .
اسم الرواية: القوس والفراشة
المؤلف: محمد الأشعري
الناشر: المركز الثقافي العربي
تاريخ الاصدار:2011
الحجم:4 ميجا بايت
ي محاولة، بالدرجة الأولى، للبحث عن أسئلة للحظة التاريخية الراهنة على مستويات عديدة، مبرزاً، في الوقت ذاته، غنى هذا العمل الإبداعي من حيث الموضوعات وطرحه لقضايا هادفة وتقديمه بلاغة قاسية في قراءاته للحظة التاريخية المغربية الراهنة.
مقتطف من الرواية :
عندما قرأت الرسالة بسطرها الوحيد وخطها المرتبك اخترقتني قشعريرة باردة ونأيت عن نفسي لحد لم أعد أعرف معه كيف أقطع الذهول الذي أصابني وأعود إلي نفسي وعندما عدت أخيرا بعد جهد قاهر لم أجد شيئا. كنت قد أصبحت شخصا أخر يخطو لأول مرة في أرض خلاء. وفي هذه الأرض الجديدة بدأت أستقبل الأشياء بنوع من اللاإحساس يجعلها سواء بالنسبة لي لم أعد أحس بأي أثر للألم أو للذة أو للجمال لم تعد لي سوي رغبة واحدة هي أن تتحرك دواخلي لشيء ما ولم يعد لي سوي عجز واحد هو أن أحصل علي ذلك.لم يكن ذلك نتيجة لخلل صحي أو لتضاؤل تدريجي بل كان شيئا صاعقا ودونما إرهاصات مباشرة أو غير مباشرة. كنت أمر قرب حديقة التجارب فلاحظت أن جهاز التقاط الناس لم يتحرك لدي إطلاقا منذ ابتعدت عن ساحة بورغون ثم تبين لي أن جسما ثقيلاً وباردا قد حشر نفسه بيني وبين العالم لذلك قضيت ما تبقي من اليوم أعدد التمارين التي تثبت لي أن الأمر لم يكن سوي توهم عابر فشربت كل ما تمنحه مقاهي وحانات الرباط من مشروبات ساخنة وباردة والتهمت عشرات الأطعمة وسكبت علي نفسي كل قوارير العطر التي وقعت تحت يدي واقتربت من كل الكائنات التي صادفتها في طريقي لعلي أعثر خلفها علي بقايا عبير أو رائحة طائشة وقضيت ساعات طويلة في ((الباخرة)) حانتي المفضلة وعندما خرجت منها منهكا ثقيل الصدر أسوق ما تبقي من الليل إلي البيت الذي أسكن عنفه السري منذ ربع قرن توقفت عند سور الجسر الذي يعلو سكة الحديد واطلت التأمل في اللمعان المعدني الذي ينبعث منها دون أن تنتظر مرور قطار أخر قبل أن أفرغ ما في جوفي دفعة واحدة وكأني في نفس الوقت أتقيأ الرجل الذي كنته حتي اليوم. ولم يكن في كل هذه الكمياء المعقدة أي رائحة. منذ هذا اليوم انقطعت عن سماع الموسيقي ومشاهدة الأفلام وارتياد المعارض والمتاحف إلا لماماً وكان يحصل لي أن أحضر في إطار مهني حفل استقبال فكنت أقضي وقتا طويلا في الاستماع إلي ثرثرة الناس محاولا أن أتذكر طعم النبيذ الذي كنت شغوفا به في بداية شبابي ولكني لم أطن أعثر عليه إلا في ذاكرتي معزولا عن السوائل التي أشربها والتي لا أفرق بينها إلا باللون أو بدرجة الحرارة.
في هذه الفترة من حياتي وقد بلغت الخمسين لا أعرف كيف حصلت لي قناعة مفاجئة أن امرأة قد ضاعت مني. بذلت جهودا مضنية لا تذكرها فلم أنجح في ذلك .
بيانات الرواية:
اسم الرواية: القوس والفراشة
المؤلف: محمد الأشعري
الناشر: المركز الثقافي العربي
تاريخ الاصدار:2011
الحجم:4 ميجا بايت
روابط تحميل رواية القوس والفراشة
أشترى كتبك الورقية -توصيل لباب بيتك
رابط تحميل مباشر
رابط تحميل بديل
قراءة الرواية اونلاين
رابط تحميل بديل
قراءة الرواية اونلاين
تعليقات
إرسال تعليق