الجريمة,فن, وقاموس بغداد ... رواية لــ علي بدر

الجريمة,فن, وقاموس بغداد ... رواية لــ علي بدر
تستعيد هذه الرواية قصّة المدارس والحركات السريّة في بغداد العبّاسيّة، مكتوبة بأسلوب يحاكي فنّ المنمنمات والزخرفة العربيّة الإسلاميّ

مقتطف من الرواية :

عند دخولي مباشرةً إلي ديوانه وقبل أن ألقي عليه التحية وأثني ركبتي أمامه وأقبل خاتم الولاية بخنصر يده اليمني كما تنص عليه تعاليم طائفتنا التفت الخواجة عباس بن محمد الطغرلي إلي وقال بصوتٍ خفيض: ((اطعنه)). أطرق قليلاً بعينيه المتوهجتين ثم قال: ((اقتله)).
قال ذلك وبقي وجهه هادئاً ووقوراً يذكر بوجوه أشراف بغداد الذين كسبوا مجدهم من انتصار سلاحهم ضد الكفرة وجنوا ثرواتهم الخيالية من تجارتهم مع خراسان.
لقد كان الخواجة عباس ذلك اليوم أشبه بعجوز يباريني مبارةً أفلاطونية طويلة يدور حولي بخفةٍ ويتكلم معي بصوتٍ خفيض وحكيم أيضاً.
الجريمة الفن وقاموس بغدادقال لي أن قتل الخواجة سنان يجعل كتابة قاموس بغداد الذي تكفلت بكتابته الجماعة الخواجية بعيداً عن مؤثراته الفاسدة ثم حدثتني عن أوامر أخري خرج بها مجلس الخواجات غير أنه لم يطلعني عليها فليس من المفرض أن أسأل ذلك أني لم أكن إلا عضواً في مجلس الحكماء وهو أدني رتبةً من مجلس الخواجات الذي هو أعلي رتبةً في التنظيم. ثم استرسل معي في موضوعات أخري. متأججاً بتهويم له سمة توشك أن تكون دينيةً ومتقيداً بعظمة كامنة وبشعورٍ واع بالمأسأة الباطنية ولكن ما كان مهماً نسبةً له ذلك الوقت هو تنفيذ هذه المهمة علي نحوٍ صارم وأن أسير بها إلي منتهاها وأن لا أتركها أو أعبث بها. بل علي أن لا أفكر بأي شيء سواها.كنت لحظتهامتأكداً من يقيني ومن إيماني بالطائفة وبمبادئها وأفكارها ولم أكن حساساً ولا شكاكاً في النظام. غير أن الخواجة عباس لم ينه حديثه معي بسرعة كما توقعت بل استمر طويلاً في الكلام معي وكان يعدل عمامته البيضاء علي رأسه ويمسك ذيل قطفانه الأسود الذي ارتداه حزناً علي مقتل الخواجة عماد الدين بن أبي ريحانة النقاش بيديه ويتحرك بخفة وتبختر أمام الخواجات الذين وقفوا مقربة منه مظهراً أمامهم كل مهارته التي اكتسبها من الدرس والتأمل وتهذيب الذات لينفذ إلي أعماقي موضحاً في شعوري وبعمق ذلك الشيء الذي كان ينبري للدفاع بحماسة وتطرف عنه وهو قتل الخواجة سنان وبلغةٍ تفوق كل وصف من البلاغة والفصاحة معتمداً علي تحمسه وتأججه الطبيعين ومستعيناً بمهارة دنيوية فائقة.قال لي إنه فعل المستحيل كي يمنع الخواجة سنان من الخيانة والانشقاق والانغماس في الرذيلة إلا أنه فشل في مهمته ذلك لأن هذا الأمر كان أشبه بالقدر نسبة إليه. ثم أطرق قليلاً وهو يشرب من كوز الماء الموضوع في ركن الديوان وأخذ يمسح بضع قطرات علي لحيته ثم فسر لي لماذا استحق الخواجة سنان الموت قال لي : ((إن النزعة الفردية وأنانية الخواجة سنان هي التي أحالته إلي أتون من اللهيب الوجداني الذي أحرقه وكواه بنيران قوية)) ثم سار قليلاً ليقف عند اصطرلابه وأخذ يشرح لي هذه النزعة الفردية والأنانية التي انتزعت واحداً من أمهر وأبرع خواجات الطائفة ورمته في دوامة مرضية وكان يلوم هذه النزعة التي لم ينفلت منها إلا القليل من الخواجات وقال لي إنها هي التي مزقت الخواجة سنان بأشكال مختلفة وجعلته متناقضاً في تكوينه فأصبحت سيطرته علي نفسه مستحيلة وأصبحت رؤيته لوجدانه الجماعي كعنصر واحد في التنظيم عسيراً كما أنه لم يكن مهيئاً ليكون قوياً وبالتالي له القدرة أو الهيمنة علي لجم تلك القوة المتضاربة في نفسه فانحرف وانشق وخان وبالتالي استحق الموت.


كان حديثه طويلاً معي هذه المرة وأكثر تشعباً من كل مرة كنت زرته فيها وقد استمعت إليه بشغف فريد من نوعه وأصيغت إلي هذا التنبه المستديم والقادم من تنفسه المسموع لفرط انفعاله وفي لمح البصر جال بخاطري أن هذه الكلمات هي نهاية أكيدة للخواجة سنان ونهاية لكل هذه المهارات التي اكتسبناها من كل تأمل ومن كل تمرين علي الاستغراق في الفكر ومن كل درس وهي نهاية حتمية للبراءة الممنوحة لنا كبشر والتي تجعلنا قبل واقعة الموت في حال من الرخاء المستديم لنلهو ونمرح طويلاً في خيالاتنا.

بيانات الرواية:



اسم الرواية : الجريمة- الفن وقاموس بغداد
المؤلف : علي بدر
الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر
تاريخ الاصدار : 2010
الحجم :4 ميجا بايت




روابط تحميل رواية  الجريمة الفن وقاموس بغداد 




أشترى كتبك الورقية -توصيل لباب بيتك

رابط تحميل مباشر

رابط تحميل بديل

قراءة الرواية اونلاين




تعليقات