مقتطف من الرواية :
حين أنهي محمد صلاة العشاء بقي جالساً بركبتين مثنيتين فوق السجادة الصغيرة المنسوجة من مواد اصطناعية. كان يحدق في ساعة بلاستيكية صنعت في الصين معلقة علي الحائط المقابل له. لم يكن ينظر إلي عقاربها وإنما إلي صورة تحيط بالمينا: حشود من الناس بلباس أبيض تطوف بالكعبة علي خلفية سماء مليئة بالطيور والملائكة تذكر حجه الخاص والذي احتفظ منه بذكريات مخففة إذ بقدر ما كان منفعلاً وسعيداً طوال صلواته بقدر ما عاني من التدافع وعنف بعض الحجاج. لم يفهم لماذا يتدافعون ولماذا يدوسون بعضهم بعضاً حتي أنهم يتسببون بحوادث تنتهي بسقوط عدة قتلي. لقد فهم بسرعة أن الديار المقدسة تقلب رأساً علي عقب إدراك الأشياء. فالناس لا يعودون هم أنفسهم أبداً ولا يملكون أنفسهم. يدخلون بيسر في جذبة ويفقدون الوعي متشوفين هكذا بأمانيهم لموت طالما عظمه هذيان الدجالين. رجال أكثر قوة منه يموتون بأقدام جبابرة يضربون ضربات عنيفة حتي يتسني لهم المرور من دون أن يكترثوا ولو حتي بالعودة لرؤية ما أحدثوه.كان محمد يحلم بحج يكون فيه بمفرده بمعية بضعة أشخاص من قبيلته في فصل الربيع فقط. ولأنه يخاف التصرفات العنيفة فقد كان يخاف الموت في مكة. ربما كان الوحيد الذي فكر هكذا لكنه لم يفصح عن ذلك. كان يخاف الموت تحت الأقدام المتعصبة. يتخذ إزاءها مسافة ويلاحظ. ماذا تشبه قدم متعصبة؟ إنها قذرة حافية أحياناً وتنتعل أحياناً أخري بلغة ممزقة. لقد التقي بمنتعلين لبلاغي في وضعية سيئة. لم يكونوا من بلده ويتكلمون لهجة عربية لا يفهم منها كلمة واحدة. لكن من أين أتوا؟ بالنسبه له المسلم هو عربي أو أمازيغي. وكان يجد صعوبة في اعتبار الحجاج الأخرين مسلمين. كان يسميهم الأفارقة- الصينيين ثم الترك. كل الحجاج كانت أعينهم مسكونة بالنار وشعلة الإيمان والتعلق بالإسلام. وكان يتساءل لماذا كانت عيناه هادئتين ووديعتين كان طبعه كذلك. تمني طويلاً القيام بهذا السفر حلم به وربما أفرط في حلمه إذ ليس له وببساطة أشياء كبيرة لتحقيقها. كان يفكر في مستقبل أولاده وحين يتعلق الأمر بهذا يصير مكتئباً حزيناً ضائعاً. لذا فهو يؤدي الصلاة والشعائر بهدوء غريب. ذات صباح وهو يخرج من المسجد الكبير لم يجد بلغته الجديدة المصنوعة في فاس. اندهش لكونه سرق من طرق حاج أخر لم يفهم هذا ولم يستسغه.لكن غضبه تراجع حين حكي له رفيقه في الغرفة أن عصابات تهاجم الحجاج كل يوم وتسلبهم نقودهم وأضاف: حين يقبض علي أحدهم تقطع يده. زد علي ذلك في منتصف النهار هذا وفي وقت الصلاة بعض الأيدي ستقطع أمام أنظار العامة. أنت مدعو إلي هذا المحفل! في الأسبوع الماضي جلد يمني لأنه أخل بالاحترام الواجب لابن الأمير وفي السنة المنصرمة حكم علي نصراني بالإعدام لأنهم باغتوه وهو في رفقة فتاة من عائلة سعودية كبيرة. لا ينبغي لمسلمة أن تخالط ولا أن تري في السر رجلاً غير مسلم ولا أن تتزوج به. لا نمزح هنا لهم قوانينهم ويقولون بأن كل ذلك موجود في القرأن ثم يعملون بذلك. لا نقاش في الأمر ولا حق لنا نحن نحن نجيء لنترحم علي رسولنا المحبوب في قبره نصلي ونؤدي شعائرنا ثم نعود إلي ديارنا.
بيانات الرواية:
اسم الرواية: البلد
المؤلف : الطاهر بنجلون
الترجمة: عبد الكريم الجويطي
الناشر : المركز الثقافي العربي
تاريخ الاصدار:2010
الحجم: 2 ميجا بايت
تعليقات
إرسال تعليق