بعد أن يستقر الأمر بلا منازع لفنر يعود منيف لرصد حالة الناس في ظل هذه المتغيرات حيث لا تبقى العادات هي نفسها ولا حتى الأمكنة ويتغير حتى شكل الانتماء والهوية. في هذا الجزء الأخير يصبح اسم الأرض بالدولة الهديبية ويصبح فنر شخصية أسطورية لكنه ينتهي بالاغتيال من خاصته
مقتطف من الرواية :
الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة إذ بمقدار ما تتيح له سفراً دائماً نحو الحرية فإنها تصبح سجنه. وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام.وإذا كانت في حياة كل إنسان لحظات ومواقف تأبي أن تغادر الذاكرة فليس لأنها الأهم أو لأنها أعطت لحياته مساراً ومعني إذ ربما لم تقع بنفس الدقة أو بالتفاصيل التي يتخيلها أو يفترضها وإنما لفرط ما استعادها في ذاكرته بشكل معين ربما الذي يتمناه يوماً بعد أخر فقد أصبحت وحدها الحقيقة أو وهم الحقيقة.
فنر وهو يتذكر عين فضة وأيامه فيم وران ثم عندما أصبح نائباً لأبيه في العوالي فإنه يتذكر لحظات ومواقف وتغيب أخري لكن تظل صورة هاملتون هي الأقوي.
فبعد أن رتب وهاملتون عدداً من الأمور في العوالي وحلا الكثير من القضايا المتراكمة وكانت عادتهما أن يسهرا ويطيلا السهر يتذكر فنر أن هاملتون قال له في إحدي الليالي كلاماً لم يألفه.
-إنك يا سمو الأمير بحاجة إلي كمية كبيرة من البحر نعم كمية كبيرة لكي توازن هذا الكم الهائل الذي لديك من الصحراء!
والأمير الذي أعجب بالتعبير لم يجد لده دلالة عملية أو معني محدداً. ابتسم هز رأسه ولم يعلق.
هاملتون مثل عادته حتي عندما كان طالباً في الجامعة (( إذا أردت أن تستقطب انتباه الأخريين يجب أن تتكلم أما بطريقة مختلفة أو شيئاً مختلفاً)). لا يتذكر هل قرأ هذه العبارة هل سمعها أم هو هو الذي صاغها؟ المهم أنها ظلت ملازمة له منذ وقت طويل وإن أخذت أشكالاً متطورة وذكية تبعاً لتقدمه في العمر واتساع ثقافته وتجاربه.
الأن وهو يقول هذه العبارة للأمير وكانا جالسين علي شرفة قصر الهازع بالطريفة وجانب من البحر يري من هناك يريد أن يكون هذا الدرس أول الدروس وأكثرها أهمية.
-.... والبحر ياصاحب السمو ليس المياة والزرقة والأمواج إنه فلسفة كاملة تبدأ بالخوف ثم التأمل وأخيراً بالتواصل. والتواصل يشكل قاعدة المثلث لأن الصحراء تشترك مع البحر في الصفتين الأخريين إذ بمقدار ما تثير الصحراء الخوف في حالات معينة فإنها بعد أن يزول الخوف تحمل الإنسان علي التفكير والتأمل وتوحي له بالكثير لكنها مع ذلك تضع بينه وبين الأخرين سداً. وهي بمقدار ما يمكن أن تكون حماية ضد الغزاة والطامعين فإنها أيضاً سجن للقاطنين فيها فهي تعزلهم عن الأخرين وتجعلهم يولدون ويعيشون ثم يموتون وحيدين وبعيدين... إلا في حالات قليلة ونادرة حين يتوافر الرجال الشجعان والظروف المواتية. عندما يمكن أن تكسر قضبان هذا السجن وينطلق السجناء إلي الخارج حاملين صفاءهم وتأملاتهم وإرادتهم المديدة الصلبة وقد ازدادت قوتهم حين امتحنوا بقطع هذه الصحراء...
فنر يري هاملتون لأول مرة بهذه الصورة لقد أغلق عينيه نصف إغلاقه وكأنه يستعيد درساً لفرط ما كرره أصبح يردده بهذه الطريقة العميقة المؤثرة. ورغم أنه فهم المعني العام للكلام الذي أداه هاملتون كما يؤدي المؤمن الصلاة أو كما يرفع المتوسل دعاءه إلي قوة مجهولة لكي تساعده فقد احتار. لم يكن هاملتون هكذا من قبل وما يقوله الأن يتجاوز تلك الثرثرات التي يروق للبعض أن يرددها لإشعار الأخرين بسعة المعرفة.
قال فنر: - لا أريد أن اسأل الأن يمكن أن تتكلم مستر هاملتون كل ما تريد لكن لدي الكثير من الأسئلة فيما بعد.
-يمكن أن أقول أشياء عديدة يعرفها غيري لكن أحس خلافاً للكثيرين إنه إذا تم الوصول إلي معادلة جديدة هي الصحراء والدين والبحر فعندئذِ يمكن ان يترتب علي هذه المعادلة شيء جديد!
ابتسم. نظر إلي السماء التفت قليلاً نظر إلي البحر تنحنح ثم تابع: -لا أريد أن أفسد الفطرة التي يتمتع بها سكان هذه الصحراء وربما كان جلالة السلطان نموذجاً لها وحتي لو أردت قد لا أستطيع.
بيانات الرواية :
اسم الرواية: مدن الملح (بادية الظلمات)
المؤلف: عبد الرحمن منيف
الناشر: المركز الثقافي العربي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر
تاريخ الاصدار:2005
الحجم:7 ميجا بايت
روابط تحميل رواية بادية الظلمات
أشترى كتبك الورقية بخصومات كبيرة وتوصيل لباب بيتك
رابط تحميل مباشررابط تحميل بديل
قراءة الرواية اونلاين
تعليقات
إرسال تعليق